حكم وأمثال شعبية سودانية

عزيزي القارئ، نستضيف هذه المرة موروث السودان الشعبي، ونورد لك هذه المرة بعضاً من الحكم والأمثال السودانية

سمح الغنا في خشم سيدو
المال تلتوا ولا كتلتوا
التسويها بايدك تغلب اجاويدك
الجمرة تحرق الواطيها
الراجل افجخي بصلة قبل ما يبقي اصلة
بليلة مباشر ولا ضبيحة مكاشر
قلبي على جناى وقلب جناي على حجر
إن جاتك في مالك سامحتك … وإن جاتك في نفسك بكتك استمر في القراءة

ما أبيضش من الجير ويتلاح في الركاني، وما أكحلش من الجاوي وينباع غالي

قيمة المرء ما يحسنه كما يقول الإمام علي كرم الله وجهه، وقيمة الشيء بفائدته وليس بشكله ولونه أو مظهره، وفي المثل الشعبي “لا شيء أكثر بياضا من الجير ولكنه يرمى في غالب الأحيان، ولا أكثر سوادا من بخور الجاوي ولكنه يباع بأغلى الأثمان” والجير مصدره من الطين والمركبات الصخرية الجيرية وله فائدة تقوية التربة، أما الجاوي فهو بخور منه الأسود والأحمر، والأول أفضل وأعطر رائحة ويستعمل للتعقيم في البيوت والوقاية من الأمراض ويقال أنه يطرد الشياطين، ورغم أن الجير أيضا له فائدته إلا أن العبرة في المثل هي أن المظاهر لا تهم بقدر ما هو عليه باطن الشيء، ونحن في زمن متخلف يستمد أغلبنا معايير مكانته من الشكليات والمظاهر الخارجية، متناسيا ما يحتويه الداخل من مكنونات نفسية تسمو به، وما يستطيع أن يقدمه من أعمال جلية تفيد الآخرين.. حينها فقط يمكن أن يكون في مرتبة “أبيض من الجير وأغلى من الجاوي”.

إذا صاحبك أعور شوفو على العين الصحيحة

يضرب هذا المثل في التعامل مع الأصدقاء، “إذا كان صديقك لا يقدر الأمور على حقيقتها، فانظر إليه بطريقة أفضل وأقرب إلى الحق”، يقول الأصمعي: (ولا تقطع أخاً من أجل ذنبٍ * فإن الذنب يغفره الكريمُ)، عامل صديقك وفق أخلاقه الحسنة وأذكرها دائما وغض الطرف عن سيئاته، ولكن إحذر: ليس لدرجة أنك تهوي معه في كل أموره فالصاحب ساحب كما يقال، ولا تنسى أن غض الطرف عن سيئاته لا يعني أنك لا تبوح له بها، فهناك مثل مغربي آخر يقول”تبغي صاحبك يدوم، حاسبه كل يوم”، وتقول العرب: “الصديق الصالح من أهداك عيوبك”، فكن أنت صالحا وأنظر إلى عيوب أخيك الأعور في نظرياته ووجهه إلى ما هو أفضل متناسيا نظراته العوراء إليك، ومشيدا بالعين الصحيحة المقصودة في المثل الشعبي، وكن على ما قاله الإمام علي كرم الله وجهه “الصديق الصدوق من نصحك في عيبك، وحفظك في غيبك، وآثرك على نفسه”.

وطني وطني ولا الفراش القطني

وفي صيغة أخرى يقال “وطني وطني  ولا رقاد القطني” تفضيل للوطن وحبه وحب العيش فيه على أي أرض كانت، حتى وإن كان الإنسان معززا بطيب العيش ورغده، لأنه سيفقد الكثير من معان العيش هناك، معان لا يجدها إلا في جنبات الوطن الذي نشأ على أرضه وترعرع بين أبنائه، لذلك فقد أخذ الوطن من الإنسان شعورا يختلج نفسه ولحمه ودمه.. إن حب الوطن فطرة في الإنسان مثل حب المال الذي ينازع حب النفس ودليل ذلك  أن الله سبحانه وتعالى يقول: { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ …} ولذلك كان الموت دفاعا عنها يشرف صاحبه بمقام الشهداء، لقول النبي (ص) “من مات دون أرضه فهو شهيد، ومن مات دون عرضه فهو شهيد، ومن مات دون ماله فهو شهيد”، وقد وقف النبي يخاطب مكة المكرمة وعيناه دامعة وقلبه حزين بعدما أخرج منها: ” ما أطيبك من بلد ، وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك”.. ولله در أحمد شوقي الذي يقول : “وطني لو شغلت بالخلد عنه .. نازعتني إليه بالخلد نفسي”..

اللسان الحلو يرضع اللبؤة

لا بد أن اللسان هنا يقصد به الكلام الجميل والحلو أو بالأحرى الطيب الذي تستأنس له النفوس، فإذا به يستطيع أن يصل إلى مبتغاه مهما كان، ووصل بالمثل الشعبي أن يخبرنا أن بإمكانه أن يرضع اللبؤة وهي أنثى الأسد، رغم الاستحالة القائمة بين أن تكون رضاعة بين بني البشر والأسود الفتاكة به خاصة إذا كان للبؤة أشبال، فكيف للإنسان أن يصل إلى ثديها في تلك الحالة، المثل يقول أنه باللسان الطيب قد نصل … إنه مثل شعبي باللغة العامية الجميلة التي تقترب إلى العربية الفصحى، هناك مثل آخر يقول “لسانه يفتل الحرير” فيه مبالغة لما يمكن للكلام الطيب أن يصله من خير، وفي مقابل كل ذلك من اللسان الطيب، قد يكون الخبيث منه أشد فتكا على صاحبه، يقول أحدهم : “احفظ لسانك أيها الإنسان —  لا يلدغنَّك إنه ثُعبان ///  كم في المقابر من صريع لسانه — كانت تهاب لقاءه الشجعان”

مد رجليك قد حصيرك

وإن كان يقال بصيغ مختلفة مثل على قدر لحافك أو قد بساطك فالمعنى واحد، وهو مثل يضرب في النهي على تجاوز المرء لحدوده وخصوصا فيما يخص مصرفه، حيث لا يعمد الكثير منا إلى ترشيد استهلاكه والقناعة بما لديه والصبر على مقتضيات المعيشة والأزمات، وعوضا عن ذلك السير بعقلية “أحييني اليوم واقتلني غدوة”، و”انفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب”. ومن يطيل رجليه أكثر من بساطه هو من ينظر إلى كل الأمور أنها من حاجياته الأساسية، وهو امرئ لا خير فيه بحق لأنه لا يدرك مصلحته الشخصية بتعقل، يقول أحد الشعراء : ” لا خير فيمن لم يكن عاقلاً —  يمد رجليه على قدره ” وليس هناك من رد أفضل من بيت شعري آخر: “لا خير فيمن لم يكن عاقلاً — يأخذ من يُسْره إلى عُسْره” حيث يحبب في المرء أن يأخذ من اليسر إلى أيام العسر، وليس العكس أي بالتعسير بمد الرجل أكثر من بساطها.

خالط العطار تنال الشموم وخالط الحداد تنال الحموم وخالط السلطان تنال الهموم

المثل واضح وكله باللغة العربية، الشموم (من الشم، ويقصد به الطيب والروائح الجميلة) أما الحموم (أي اليحموم هو اللون الأسود الناتج عن احتراق شيء ما)، في مثل هذا المضمون يوجد بيت شعري يقول: “من خالط العطار نال من طيبه — ومن خالط الحداد نال السوائدا” ويقسم ابن القيم الناس إلى أربعة أقسام : من مخالطته كالغذاء لا يستغنى عنه، من مخالطته كالدواء يحتاج إليه عند المرض فقط، من مخالطته كالداء وهم من في مخالطته ضرر ديني أو دنيوي ، ومن في مخالطته الهلاك كله… لا شك أن مخالطة الناس أمر إما محبب لك وإما محتم عليك، وفي كلا الحالتين ينبغ الأخذ بعين الاعتبار ما يقوله نبينا الكريم: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”. أما الجزء الأخير من المثل (خالط السلطان تنال الهموم) فهي حقا مخالطة تجلب كافة أنواع الهموم ويمكن ضمها إلى الصنف الثالث من تقسيم ابن القيم.