دراهم المشماش يروحو في الباكور

”دراهم المشماش يروحو في الباكور” هو مثل شعبي قديم، ليس متداولا كثيرا، والأصل فيه هو أن تجار المشمش كانوا يأتون به وهو نصف ناضج من منطقة نقاوس عروس الأوراس، وهي مدينة تقع جنوب غرب ولاية باتنة ، ثم يبيعونه في الشمال بأسعار باهضة ويشترون به ”الباكور” أو التين، ويذهبون به إلى المناطق الجنوبية، غير أنهم عندما يصلون إلى وجهتهم سيكون “الباكور” قد تلف في الطريق· وبالتالي فإن الربح الذي أخذه التجار بطريقة استغلالية سيضيعونه بسرعة، لأن المؤمن ينبغي أن يرفق بإخوانه ويرضى بالربح القليل، ولأن المسلم أخ المسلم، ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته. يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم “يسروا ولا تعسروا”..

Advertisements

ما أبيضش من الجير ويتلاح في الركاني، وما أكحلش من الجاوي وينباع غالي

قيمة المرء ما يحسنه كما يقول الإمام علي كرم الله وجهه، وقيمة الشيء بفائدته وليس بشكله ولونه أو مظهره، وفي المثل الشعبي “لا شيء أكثر بياضا من الجير ولكنه يرمى في غالب الأحيان، ولا أكثر سوادا من بخور الجاوي ولكنه يباع بأغلى الأثمان” والجير مصدره من الطين والمركبات الصخرية الجيرية وله فائدة تقوية التربة، أما الجاوي فهو بخور منه الأسود والأحمر، والأول أفضل وأعطر رائحة ويستعمل للتعقيم في البيوت والوقاية من الأمراض ويقال أنه يطرد الشياطين، ورغم أن الجير أيضا له فائدته إلا أن العبرة في المثل هي أن المظاهر لا تهم بقدر ما هو عليه باطن الشيء، ونحن في زمن متخلف يستمد أغلبنا معايير مكانته من الشكليات والمظاهر الخارجية، متناسيا ما يحتويه الداخل من مكنونات نفسية تسمو به، وما يستطيع أن يقدمه من أعمال جلية تفيد الآخرين.. حينها فقط يمكن أن يكون في مرتبة “أبيض من الجير وأغلى من الجاوي”.

مزين الفاس في يد الناس

كلمات قريبة جدا إلى اللغة العربية “ما أجمل الفأس في أيدي الناس”، يقدس به العمل كعبادة ويتغنى بجمال رؤية الفأس في يد إنسان ذاهب إلى العمل، ولا شك أن الكسالى من الناس لا يرون في المجتهدين والعاملين غير نظرة الاندهاش من تعلقهم بالدنيا، ولكنهم يحسدونهم على نجاحاتهم، ولله در من قال “على قَدر أهلِ العزمِ تأتي العزائـمُ … وتأتي علـى قدر الكــــرام المـكارمُ — وتعـظمُ في عين الصـغيرِ صغـارُها … وتَصْغُرُ في عَين العظــــيم العـظائمُ. تذكر دائما قيمة العمل في الإسلام وهو مطلب في حد ذاته فالنبي صلى الله عليه وآله وسلميقول : “إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها ، فليفعل”، ولا تنسى قوله دائما: “فَإِذَا عَزَمتَ فَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ (آل عمران).

يعيشوا في الدنيا أهل البدايع وأهل الصنايع

مثل شعبي جميل أجاد التعبير عن قيمة الإبداع في المجتمع وكذلك قيمة الحرف والصنائع المكتسبة التي لا يمكن الاستغناء عنها، فمن جانب الإبداع نلاحظ أن من لديهم تلك الروح الإبداعية في إنتاجياتهم المختلفة أي بالخروج عن المألوف بشيء جديد لم يسبق إليه، سواء كانت جديدة على الناس أو مكتسبة مطورة، لديهم دائما حظوظ أكبر في الحياة لأنهم استطاعوا كسب حب الناس لأعمالهم وإبداعاتهم، ونفس الشيء بالنسبة للحرفيين والصناعيين ممن استطاعوا كسب ثقة الناس الذين هم بحاجة إليهم دائما، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يشيد بالمبدعين من أصحاب الصنائع، ويوكلهم بالأعمال, فعن قيس بن طلق عن أبيه قال: بنيت مع رسول الله مسجد المدينة فكان يقول: ((قدموا اليمامي من الطين فإنه من أحسنكم له مسًّا وأشدكم منكباً))…

يفنى مال الجدين وتبقى حرفة اليدين

كان النبي داوود لا يأكل إلا من عمل يده، ولم يكن ذلك من الحاجة لأنه كان خليفة الله في الأرض، ولكنه كان يبتغي الأكل من طريق أفضل… الموروث من المال لا بد سيفنى وإن طال الزمن، والموروث من الحرف والصناعات سيجعل صاحبه دائم النفع والانتفاع مما تجيده يداه، هذا ما يقصده المثل الشعبي الذي يحث على قيمة اكتساب المرء لمهنة (حرفية أو خدمية) تفيده في مستقبله، وهناك مثل شعبي لبناني يقول “مالك صنعة ساكن قلعة”، ومهما كان العمل يبدو في أعين الناس صغيرا أو بسيطا ولكنه عظيم في المنظور الصائب وأفضل من السؤال وأفضل بلا شك من الخمول والاعتماد على مال مكتسب موروث لأنه لا بد سيزول، كما أن الناس تقول هذا المثل تعبيرا عن حبها وإعجابها وتقديرها للإنسان العامل لأنه يفيدهم بينما القاعد على أموال يأكلها ليس منه فائدة ترتجى، وقد قال عمر بن الخطاب:”إني لأرى الرجل فيعجبني، فأقول :له حرفة؟ فإن قالوا: لا، سقط من عيني”، ولا بد أن عمرا لم يكن يفرق بين غني اغتر بمال أجداده أو فقير لم يتخذ لنفسه مهنة.